الجمعة، 4 ديسمبر 2020

كيف يتم شفاء حالات مرضى كورونا بالرغم من أنهم لم يجدوا لهذا الفيروس دواء حتى الآن؟

 

كيف يتم شفاء حالات مرضى كورونا بالرغم من أنهم لم يجدوا لهذا الفيروس دواء حتى الآن؟

إن لجسمنا القدرة على التغلب على العوامل الممرضة أيًا كانت؛ جراثيم أو فيروسات أو طفيليات أو غيرها، يتم هذا عن طريق جهاز المناعة الذي نمتلكه. ويا له من جهاز أعجوبيّ بكل معنى الكلمة! فدعونا إذن نتعرف على جهاز مناعتنا عن قرب.

لا داعي للقلق! لن يكون درسًا في الأحياء… وإنما درسًا "ممتعًا" في الأحياء.

نحن نملك في الحقيقة نمطين ضخمين من المناعة:

  • مناعة غير نوعية: وهي تشمل مجموعتين ضخمتين من العوامل المناعية:
    • عوامل غير خلوية (بنيوية أو إفرازية): مثل الجلد والقرينات الأنفية والمخاط والصملاخ واللعاب وحمض الكلور… وكل هذه العوامل تساعد على حصر الممرِضات أو تسهيل التخلص منها أو تدميرها كما يحصل بفعل حمض المعدة.
    • عوامل خلوية: وتُشرف عليها أنواع معينة من خلايا الدم البيض؛
      • الخلايا القاتلة الطبيعية NK cells أو Natural killer cells: ومن اسمها فهذه الخلايا لا تعرف الرحمة، وهي تفرز سمومًا تقتل أي جسم غريب تواجهه في طريقها حتى لو كانت خلايا متحولة من الجسم نفسه (خلايا سرطانية مثلاً)
      • الخلايا التائية السامة Cytotoxic T cellsوهي تخدم جنبًا إلى جنب في نفس كتيبة الخلايا القاتلة إلا أنها خضعت لتدريبات أكثر تخصصًا في مهاجمة الخلايا المتحولة، أي أنها خط الدفاع الأول تجاه السرطان والخلايا المصابة بفيروس ما.
    • الخلايا البالعة Macrophages: ومهمتها التخلص من الحطام، ببساطة هي خلايا تمسح ساحات المعارك وتلتهم جثث القتلى، كانوا جراثيمَ، فيروساتٍ أو حتى خلايا الجسم نفسه التي قضت في سبيل الدفاع عنه. ولكن إياكَ أن تتخيل ‏أنها عاملات نظافة! ‏فمهمتها أعقد من ذلك بكثير، إنها تعمل على تفكيك وهضم ما التهمته، ثم تقدم أجزاءه لخلايا أخرى خاصة تحلل تركيب تلك الأجزاء وتشكل بناء على ذلك مناعة متخصصة، ‏أي أن الخلايا البالعة هي صلة الوصل بين المناعتين؛ غير النوعية وتلك النوعية.
    • الخلايا البيضاء المعتدلة (العدلات) Neutrophils: وهي السواد الأعظم من جيش كرياتنا البيض ومهمتها محاربة الجراثيم بالدرجة الأولى (وليس الفيروسات) وتنجذب استجابة لإشارات كيميائية تفرزها الجراثيم أو خلايا الجسم المتضررة بفعلها.

وبهذا نكون قد شرحنا عن الخطوط الأولى في منظومتنا الدفاعية، وننتقل لنكمل الحديث عما يجري في الخطوط الخلفية، أي على مستوى وحدة الاستخبارات والتخطيط الاستراتيجي وكتيبة المعلوماتية والبرمجة.

نعم! يبدو الأمر وكأننا نتحدث عن منشأة دفاعية حقيقية… هي حقيقية، لكنها داخل جسمنا… تابع معي لتعرف كيف يحدث هذا على المستوى الخلوي.

يدعى النمط الثاني من المناعة لدينا:

  • مناعة نوعية: وتعمل الخلايا في هذا القسم وفق معلومات مسبقة تحصلت عليها بطرق مختلفة وتفعّل بذلك وظائفها الدفاعية. تشمل هذه المناعة الخلايا التالية:
    • الخلايا التائية المساعدة T-helper cells: تستلم هذه الخلايا أجزاء الحطام الذي فككته الخلايا البالعة، ومن ثم توصله لوحدة المقارنة والبرمجة داخل العقد اللمفاوية.
    • الخلايا البائية B cells: وهي تستلم البريد من الخلايا التائية وتتطور إلى أحد نوعين:
      • خلايا الذاكرة Memory cells: وهي تحتفظ بمعلومات العامل الممرض بحيث أنه لو تعرض الجسم له مرة أخرى قامت بتفعيل الاستجابة المناعية ضده، وهي طبعًا صاحبة الدور المركزي بعملية اللقاح.
    • خلايا بلازمية Plasma cellsمهمتها إنتاج الأضداد؛ والأضداد جزيئات صغيرة تلتصق بالأجسام الغريبة وتساعد بهذا على التعرف عليها من قبل الكريات البيض الأخرى (كالعدلات والبالعات) والتخلص منها.

بالطبع هناك وحدات فرعية في جهازنا المناعي، كوحدة الحساسية والتأتّب (ليس التأدب!): في هذه الوحدة نجد الخلايا الحمضة Eosinophils والخلايا القاعدية Basophils والخلايا السمينة Mast cells وهي وحدة معقدة أيضًا، لكن أعضاءها قليلون وعلى درجة عالية من "الحساسية" لذا لن أتحدث عنهم!

والآن يمكنكم معي أن نتخيل ما يحدث بكورونا عندما يدخل جسمنا:

يقتحم الفيروس الخلية ويستخدمها من أجل تكثير نفسه داخلها (شرحت الآلية في سؤال آخر لمن أحب الاطلاع)، ثم ينتشر الفيروس إلى خلايا أخرى. خلال هذه الأثناء تكون الخلايا التائية السامة بالدرجة الأولى والخلايا القاتلة الطبيعية قد تعرفت على الخلايا المصابة وهاجمتها لتقضي عليها وعلى الفيروسات المحتجزة داخلها معًا، يصاحب ذلك طبعًا إفراز مواد تسبب ارتفاع الحرارة واجتذاب العدَلات، كما ينجم عن تلك المعارك داخل الجهاز التنفسي تخريش للطرق التنفسية (القصيبات الرئوية) ما يدفع المصاب للسعال. تأتي الخلايا البالعة لتلتهم بقايا المعارك الطاحنة فتهضمها وتستخلص المكونات الفيروسية وتسلمها للخلايا التائية المساعدة، وهي التي توصلها بدورها إلى مركز البرمجة في العقد اللمفاوية حيث تستلمها الخلايا البائية فتتطور إلى خلايا بلازمية وتفرز أضدادًا لتلتصق بغلاف الفيروس وتسهل التخلص منه، وفي نفس الوقت تصل الإشارة لخلايا أخرى فتتحول إلى خلايا ذاكرة تحفظ تركيب الفيروس كي تفعل الاستجابة ضده في مرة قادمة. تستمر المعارك الضارية بين الفيروس وجهاز المناعة حتى ينتصر أحدهما، فلدى كبار السن يكون جهاز المناعة ضعيفًا وتكون الرئتان متعبتين لذا هم بحاجة لدعم عبر أجهزة التنفس الاصطناعي ودعم المناعة بالفيتامينات والراحة وخافضات الحرارة، أما الشباب فيتمتعون بمنظومة دفاعية قادرة على دحر الفيروس وتدميره وتسجيل معلوماته ‏ووضعها على كل المنافذ الحدودية، ‏بحيث ‏أن الفيروس لو فكر فقط أن يكرر العدوى سيتم القضاء عليه قبل حتى أن يدخل إلى الخلية.

هل كان درسًا ممتعًا؟ … آمل ذلك…

قد تطول معركتنا ضد الكورونا، لكننا سنتغلب عليه بالتأكيد… دمتم بصحة وعافية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق